حسن الأمين
121
مستدركات أعيان الشيعة
والتي أغضبت عليه شعراء « عدنان » فهجوه وهجاهم ، فاختلقوا وشايات أوغروا بها عليه قلب الناصر ، لأن الدامغة نفسها لا يمكن أن تكون هي التي أوغرت عليه قلب الناصر ، وغيرت ما بينهما من ود وتقدير ، لأنها وإن كانت تعبر عن تعصبه الشديد للقحطانية ضد العدنانية إلا أنها تنم بل تصرخ بصوت جهير بتشيعه وإخلاصه في محبة آل الرسول ( ص ) ، وقد أوردنا أبياتا منها آنفا ، ولا نستطيع أن نتصور « الناصر » وهو « ابن الهادي » ، ومن نسل الحسن بن علي ع غير راض عن موقف الهمداني هذا ، وأن لا يسعده أن الهمداني لسان اليمن قد أثبت « الوصاية » للإمام علي ، وذكر مشنعا باعمال « الأمويين » وخلفاء بني العباس الذين كانوا لا يزالون يحكمون من « بغداد » معظم العالم الإسلامي ، ويعدد ما صنعوه بالطالبيين ، بل ويفاخر بان اليمن وقفت مع « الإمام علي » في حروب « الجمل » و « صفين » و « النهروان » وينبز الخارجين عليه بالناكثين والمارقين ، لا نستطيع أن نتصور ذلك ، ومجرد افتراضه لا ينسجم مع منطق ولا ذوق ولا تفكير سليم ! وإذا كان قد ورد شيء يوحي بذلك في الجزء الأول أو الثاني من الإكليل فهو من وضع محمد بن نشوان الذي اختصر الإكليل وحذف منه ما يهوى وزاد ما يريد . إعادة النظر في كتبه إن كتب « الهمداني » أو الموجود منها تفتقر إلى عناية جديدة وإعادة نظر ، وتحقيق علمي ، وضبط دقيق ، وتجريدها من الهوامش والحواشي والفضول الذي أسرف بها من قام بطبعها ، وبدلا عن كل ذلك توضع لها الفهارس ، ويترجم للمجهولين من رجالها وتخرج إخراجا جديدا يليق بما فيها من علم كثير وأدب جم . هذا ومن أراد أن يعرف ما لم نفصله ، أو نتحدث عنه ، مما يتعلق باسرة الهمداني ، وحياته في مكة ومن لقي فيها من العلماء ومن أخذ عنه من المشايخ ، والهمداني الجغرافي ، والنسابة والأثري ، واللغوي ، وأسماء مؤلفاته فليراجع مقدمة الأستاذ حمد الجاسر لكتاب صفة جزيرة العرب ، ومقدمة محب الدين الخطيب للكتاب العاشر من « الإكليل » وبكل إخلاص ، ولوجه العلم أحذر من الاعتماد على معظم تعليقات وهوامش محمد بن علي الأكوع التي أثقل بها ما تولى نشره من أجزاء الإكليل وكتاب « شرح الدامغة » فإنه ممن يلقون الكلام على عواهنه ، ويدفعهم التعصب إلى الإغراق ، ولا ننكر حبه للهمداني لكي يكفر به سيئات تنكيل جده « الحوالي » بلسان اليمن ، والحب يعمى ويصم ومن الحب ما قتل ! . مختارات من شعر الهمداني للهمداني ديوان شعر في ستة أجزاء نقل ذلك السيوطي عن المؤرخ الخزرجي ، وقال القفطي : « ولما دخل الحسين بن خالويه الهمداني النحوي إلى اليمن » توفي ابن خالويه سنة ( 370 ه ) ) ، وأقام بها في ذمار جمع ديون شعره وعربه وأعربه وهذا الديوان بهذا الشرح وهذا الاعراب موجود عند أهل اليمن وهم به بخلاء « . ولو وجد ديوان الهمداني سواء ما ذكره » الخزرجي « أو بشرح وإعراب » ابن خالويه « لعرفنا عن حياة ذلك العلم الشامخ ما حاول » الغلاة « أو » المتحاملون « ، و » العنصريون « أو » المتعصبون « طمسه وتحريفه من مؤلفات الهمداني والأحداث التي مارسها وما ساهم به في حركات عصره . وقد أوردنا أبياتا من قصيدته » الدامغة « التي هي في مخطوطتنا ستمائة وسبعة وأربعون بيتا والتي مطلعها : ألا يا دار لولا تنطقينا فانا سائلوك ، فخبرينا وقد سجل المؤرخ علي بن الحسن الخزرجي في كتابه « طراز أعلام الزمن في طبقات أعيان الزمن » نقلا عن المؤرخ الشاعر محمد بن الحسن الكلاعي ( ت 404 ه ) أبياتا مما دار بين الهمداني وشعراء صعدة من ملاحاة ومشاجرة . قال : وكان بها - أي بصعدة - عدة من الشعراء المنتسبين إلى عدنان منهم أبو العساف الحسين بن علي بن الحسن بن القاسم الرسي ، وأبو أيوب بن أبي الأسد السلمي ، وأيوب بن محمد بن محمد اليرسمي ، وكان ينسب إلى الفرس فبلغ الحسن بن أحمد الهمداني أثناء إقامته في صعدة أن هؤلاء يتعصبون على قبائل اليمن ويتناولون أعراضهم بالأذى فقال لأبي العساف : أبا العساف غرك فضل قومي وإنك من رؤوس الهاشمينا وإنك لا تخاف ولا تجاري ولا تلقى بما قدمت هونا . . . إليك ، إليك عرضك عن شداتي لكي لا أطبع الحسب المصونا وأقسم إن رملت إليك بيتا لتغتمزن قناتك ، أو تلينا أما الشاعر « السلمي » فقد أرسل إليه الهمداني أبياتا منها : ألا أصحوا بني عدنان من سكراتكم وإلا علمتم من أجن وأسكرا بني أختنا لا تقطعوا ثدي أمكم فشر ثدي القوم ما كان أبترا وأما أيوب بن محمد اليرسمي وهو فارسي النسب فقد رد عليه بقوله : أجبت نزارا على ذمها بذم يسد سمام النفس فلم يملك القوم رجع الجواب إلينا وما بهم من خرس مخافة نكس إلى دائهم وشر السقام سقام نكس وأضحت شياطين من فارس تهمهم حولي كمثل البسس فكم من ذباب هوى ميتا بنهم الهزبر إذا ما عطس ولم أك معتمدا فارسا بفخر يجد لها ما درس وقد سأله سائل من أبوك فقال من اللؤم : خالي الفرس ومن مختار شعره قوله في « اليمن » : أرض تخيرها سام وأوطنها ، وأس غمدان فيها بعد ما احتفرا أم العيون فلا عين تقدمها ولا علا حجر من قبلها حجرا . . . لا القيظ يكمل فيها فصل ساعته ولا الشتاء يمسيها إذا قصرا ! وقال في « صنعاء » وقصرها « غمدان » : ما زال سام يرود الأرض مطلبا للطيب خير بقاع الأرض يبنيها حتى تبوأ « غمدانا » وشيدها عشرين سقفا يناغي النجم عاليها فان تكن جنة الفردوس عالية فوق السماء فغمدان يحاذيها وإن تكن فوق وجه الأرض قد خلقت فذاك بالقرب منها أو يصاليها وله في رثاء سلم بن صعصعة : لئن قرع الناعي قلوبا فصدعا وغار عيونا بالبكاء وأدمعا